أرخص الطرق للوصول إلى الماتشو بيتشو

ما منا من أحد محب للسفر والرحلات إلا وقد سمع بحضارة الإنكا أو واحدة من عجائب الدنيا الجديدة حيث مدينة ماتشو بيتشو والتي بنيت خلال القرن الخامس عشر على ارتفاع 2280 متراً والتي تقع بين جبلين وعلى جانبيها هاوية سحيقة تمتد مئات الأمتار وأسفلها نهر أوروبامبا ، هذه المدينة التاريخية المذهلة و التي اكتشفت عام 1911 ، وسلمت من تدمير المستعمر الأسياني بسبب اختفائها وسط الجبال بطريقة عجيبة ، ولا أعجب من ذبك إلا طريقة العمارة الهندسية المتقنة رغم أن غالبية بنيانها شيد عبر الآف الصخور الكبيرة والتي يصعب تصور كيفية نقلها وترتيبها في مثل هذا المكان العالي جداً .. 

في رحلتي الأولى إلى البيرو والتي كانت خلال شهر يوليو 2017 كان محتماً أن تكون الماتشو بيتشو خياراً رئيساً لا بد منه هي ومحطتها الرئيسية حيث مدينة كوسكو الرائعة جداً والتي عادة ما تكون نقطة الانطلاق إليها ، هناك 3 خيارات للوصول إلى هذه الأعجوبة :

الخيار الأول هو خيار الهايكنج لأيام عدة وهو واحد من أجمل المسارات في القارة اللاتينية ومطروق من كثير من السياح .

الخيار الثاني عبر القطارات والمعدة بشكل مثالي للسياح بفئات عدة ، بعضها يوفر مجالات واسعة للرؤية ، وعادة ما تنطلق من أطراف مدينة كوسكو أو من مدينة Ollantaytambo والتي تبعد عن كوسكو قرابة الساعتين .

الخيار الثالث وهو ما اخترته لما فيه من خوض بعض التجارب والأحداث والمشقة وبعض الخطورة، ويتتطلب بشكل مختصر المرور على 3 بلدات بواسطة السيارة ثم المشي قرابة 11 كلم بجانب سكة القطار قبل الوصول أخيراً إلى بلدة Aguas Calientes بالقرب من الماتشو بيتشو ثم الصعود مشياً على الأقدام إلى المدخل الرئيسي قبل شروق الشمس ، وإليكم تفاصيل هذه الطريقة بشكل أكثر دقة

كوسكو

بعد إن بت الليلة الأولى في كوسكو قمت باكرا وقد كنت مجهزاً حقيبة ظهر صغيرة فيها ما سأحتاجه لليلة واحدة أما حقيبتي الرئيسية فأبقيتها عند استقبال النزل لأخذها بعد الرجوع ، توجهت عند الساعة الخامسة والربع فجراً إلى طريق Antonio Lorena حيث يتجمع عادة سائقي الأجرة بمختلف مركباتهم لنقل الأهالي والسياح إلى المدن والقرى المحيطة بكوسكو وكل يلوح بوجهته المقصودة ، فضلت أخذ سيارة صغيرة عدد ركابها لا يتجاوز الأربعة ركاب سرعان ما اكتمل عددهم لكنها ستتوقف بنا في مدينة سانتا ماريا Santa María  والبقية سيكملون طريقهم إلى بلدة أخرى .

انطلقنا قبل شروق الشمس وكان الطريق في بدايته جيد جداً ومكوناً من 3 مسارات في كل اتجاه قبل أن يضيق بنا بعد خروجنا من ضواحي المدينة إلى مسار واحد في كل اتجاه لكنه ظل جيداً ، بعد ذلك بدأت حالة الطريق بالسوء بشكل كبير حيث انقطع الطريق المعبد وبدأنا بسلوك طريق غير ممهد وضيق لبعض الوقت  حتى اقتربنا من بلدة Ollantaytambo عند السابعة تقريباً ، عندها تحسن الطريق بشكل كبير واستمر كذلك حتى وصولنا فيما بعد إلى سانتا ماريا ، بعد أن تجاوزنا مدينة Ollantaytambo بقليل توقفنا لأقل من نصف ساعة في إحدى الاستراحات لتناول طعام الإفطار لمن أراد ذلك ، والتوقف عادة لاتينية منتشرة كما في بلدان أخرى من العالم .

بعد ذلك وصلنا إلى مدينة سانتا ماريا الصغيرة عند قرابة الساعة العاشرة حيث تم إنزالي وأكمل البقية طريقهم ، المكان الذي نزلت فيه ينتشر بقربه محلات الفواكه والخضار وعدد من محلات التموينات والمطاعم الصغيرة بحكم الوقوف المتكرر للحافلات وسيارات الأجرة حيث يقوم بعض أصحاب المحلات وخصوصاً النساء منهم بعرض منتجاتهم على الركاب .

بحثت عن توصيلة إلى بلدة سانتا تريزا Santa teresa فأشاروا إلى سائق لأحد السيارات الصغيرة الواقفة جانباً وانتظرت معه لقرابة الساعة حتى اكتمل عدد الركاب ، بداية الطريق القريبة كانت مقبولة أما بقيته فكانت الأسوء على الإطلاق نظراً لأنه غير معبد والغبار من السيارات المارة بقربنا لا يتيح لنا فرصة لفتح النافذة فضلاً عن ضيقة حيث لا يتجاوز عرضه 4 أمتار في أغلب الأحيان والأدهى من ذلك أن إحدى جانبي الطريق منحدرات بالغة الخطورة تصل إلى قرابة الثمانين متراً تزيد أو تنقص بحسب المكان ، لكن ما يخفف من ذلك كله أن مدة الوصول إلى سانتا ماريا لا تتجاوز الساعة .

سانتا تريزا بلدة صغيرة جداً لا شيء يذكر فيها مع وجود بعض النزل المعدودة ، كان هناك حافلة صغيرة تتسع لقرابة 12 راكباً ستتوجه إلى Hidroelectrica ولم يكن فيها سوى راكبين أنا ثالثهما ، لم ينتظر سائق الحافلة اكتمال العدد حيث غادرنا البلدة عند قرابة الساعة 12 لعلمه أن في أول الطريق ركاباً من أهل المنطقة مع عددهم وأدواتهم يرغبون في إيصالهم ، كان الطــريق مقبولاً و قصيـــراً حيث وصلنا إلى Hidroelectrica  بعد نصف ساعة حيث تتواجد عشرات المركبات التي نقلت السياح إلى هذه النقطة حيث تتواجد ساحة عشوائية للمواقف ..

عند نزولنا تقدمنا قرابة الخمسون متراً لتجاوز المركبات المتوقفة حيث بدأنا بمشاهدة سكة الحديد و هناك مكتب قبلها حيث يتم تسجيل بيانات العابرين لهذا الطريق وهو أمر لا يحدث باستمرار حسب ما قرأت ، ثم يبتدئ مشوار مسافته 11 كلم مشياً بجانب وعلى سكة الحديد في مدة يفترض أن لا تتجاوز الساعتين كمعدل طبيعي لكن الناس تختلف بذلك كل على حساب نشاطه ، أول السكة تنتشر عدد من الأكشاك لبيع الفواكه وغيرها وهي فرصة للتزود قبل سلوك الطريق ثم لديك خياران لسلوك الطريق الصحيح حيث أن سكة الحديد الأولى والتي تمتد لقرابة 400 متر تنقطع ويتوجب البحث عن السكة الأساسية والتي تستمر طيلة الطريق ، ، أما الخيار الثاني فيتوجب عليك البحث عن بعض الجواد المتجهة يميناً عند الوصول إلى الأكشاك التي ذكرتها في بداية حديثنا والاستمرار في سلوكها صعوداً قرابة 70 متراً حتى تصل إلى السكة الثانية ثم التوجه يساراً ..الخيار الأول وهو الذي سلكته رغم قلة سالكيه وهو الاستمرار بالمشي حتى نهاية السكة الأولى حيث تتوقف أمام مرتفع جبلي لا يتجاوز ارتفاعه 4 أمتار ثم التوجه يمينا بزاوية 45 تقريباً لقرابة 50 متراً وسط الأشجار حيث ستصل إلى السكة الثانية ثم تتوجه معها يساراً

بعد أن تزودت ببعض الفاكهة والمياه سلكت الخيار الأول حيث استمريت بالمشي بجانب السكة الأولى حتى انتهت ، ولم أكن في عجلة من أمري لذلك قررت الاستمتاع وأخذ الوقت الكافي في مختلف أرجاء هذا الطريق خصوصاً أنه في طريق العودة من الغد لا مجال للتأخر فيه فيجب أن يقطع في أقصر مدة ممكنة لتدارك وسائل النقل .

ثم بدأت بالمسير بجانب السكة الثانية في بعض الأحيان وعليها في أحيان أخرى بحسب صعوبة الأرض المجاورة لها ومعي عشرات السياح الآخرين إن لم يكن أكثر ، من المناظر الجميلة في أول الطريق وجود جسر جميل يمر من أسفله نهر أوروبامبا نزلت إليه للاستمتاع بمياهه حيث يتواجد سياح آخرون بعضهم يقوم بالسباحة وبعضهم يأخذ قسطاً من الراحة مستمتعين بالأجواء الجميلة في ظلال الأشجار ، ثم واصلت المسير حيث تتواجد بعض الاستراحات على مسافات متباعدة تحتوي على بعض الوجبات والعصائر ودورات المياه ، ومياه النهر كانت تقترب جداً من السكة وتبتعد في أحيان أخرى ، وصادف أن مر أحد القطارات في منتصف الطريق فتنحى الجميع جانباً في مشهد جميل ، ثم تابعت المسير حتى اقتربت من الربع الأخير من الطريق حيث يضيق مجرى النهر أسفل الطريق لكن لا تستطيع سوى سماع صوت المياه مما يتطلب النزول عدة أمتار لمشاهدته في منطقة جميلة جداً حيث ساهمت المياه الجارية في نحت الصخور بشكل بديع ، بقيت هناك قرابة النصف ساعة مستمتعاً بالمكان ثم واصلت المسير حتى اقتربت أخيراً من بلدة Aguas Calientes  التي يتوجب علي الاتجاه يساراً لدخولها أما على اليمين فهناك الطريق المؤدي إلى بوابة الماتشو بيتشو الأولية ..

في هذا الجزء من الطريق قرب البلدة يختلط المشاة القادمون من الماتشو بيتشو مع القادمين من سكة الحديد حتى الوصول أخيراً إلى Aguas Calientes والتي يخترقها النهر ويقسمها إلى جزأين ، البلدة وإن كانت صغيرة إلا أنها جميلة و مليئة بالمتاجر والمطاعم بمختلف مستوياتها إضافة إلى آلاف السياح الذين على الأغلب يقيمون فيها ليلة أو اثنتين على الأكثر ، لم أخذ سوى وقت يسير حتى تحصلت على نزل أقيم فيه تلك الليلة يقع في أعلى طريق منحدر قرب عدد من المقاهي والمطاعم ، و مما يجدر الإشارة إلى أنه يتواجد مركز سياحي متكامل لمن أراد شراء التذاكر أو أراد معرفة بعض المعلومات عن المنطقة بالقرب من الساحة الرئيسية في البلدة ..

عند ساعات الصباح الأولى من اليوم التالي وبالتحديد عند قرابة الساعة الخامسة فجراً وبعد آدائي لصلاة الفجر في أول وقتها انطلقت خارجاً من النزل متوجهاً إلى البوابة الأولية للماتشو بيتشو أسفل الجبل مشياً على الأقدام قبل الصعود إلى الأعلى بنفس الطريقة ، طبعاً كان هناك خيار آخر وأفضل وهو الصعود عبر الحافلات التي تنطلق من وسط المدينة إلى المدخل الرئيسي في أعلى الجبل ، كان الهدوء الكبير يخيم على البلدة في تلك اللحظات وهو أمر مناقض تماماً لما كان عليه في مساء اليوم السابق ، الطريق في أوله كان مضاء لكن بعد ذلك سرت في عتمة تامة وسط طرق موحلة في بعض الأحيان لكن أستدل عليه من خلال الكشافات الضوئية ، استمريت في هذه المرحلة قرابة 20 دقيقة حتى وصلت أخيراً إلى نقطة التفتيش
الأولى أسفل الجبل لتأكــد من صحــة التذكرة ومطابقتها لجواز السفر وسمح لي بالمرور عبر هذه النقطة ..

بعد أن تجاوزت نقطة التفتيش مباشرة كان هناك جسر صغير يمر النهر من أسفله والجسر مكون من جزأين الأول للحافلات والآخر للمشاة ، الحافلات طريقها ملتف يمنة ويسرة كما هو حال الطرق التي ترتقي لقمم الجبال ، أما المشاة أمثالي فكنا نخترق الجبل صعوداً بشكل عمودي وسط الصخور وبين كل فترة وأخرى نقطع الطريق الخاص بالحافلات ، الطريق فيه شيء من المشقة خصوصاً مع الارتفاع المتوسط عن سطح البحر ، لكن بالنسبة لي فقد اعتاد جسمي على ذلك نظراً لبقائي لأيام عدة قبل ذلك في بوليفيا وأراضيها أعلى بكثير من هــذه المنطقة ، بعد قرابة الأربعين دقيقة وعند قرابة السادسة صباحاً وصلت إلى الهــدف المنشود حيث البــوابة الرئيسية للماتشو بيتشو وسط أجواء غائمة والضباب يملأ المكان .

تجولت لعد ساعات فيها والكلمات لا يمكن أن تصف المكان مع تلك الأجواء الغائمة ، وعند قرابة التاسعة توجهت نحو Machu Picchu Mountain وهو أحد نشاطين اثنين يوفران إطلالات رائعة على الماتشو بيتشو ، ولكن لا بد من حجزهما قبل أسابيع أوأشهر عدة نظير محدودية العدد المسموح به لدخولها يومياً


الطريق المؤدي إلى قمة Machu Picchu Mountain واسع في بدايته على عكس منطقة النشاط الثاني حيث  Huayna Picchu التي تسلك فيها طريقاً ضيقاً ، لكن مع اتساعه إلا أنه في تصاعد بزاوية تقترب من 35 درجة خلال الساعة الأولى والتي شعرت في آخرها بشيء من التعب جعلني أخفــف الحمل الذي معي حيث علقــت حقيبة الظهر الصغيرة على أحد الأشجار بعد أن أخــذت أثمن ما فيها على أمل أن تبقى حتى رحلة العودة ، النصف ساعة الأخير تضيق الطريق بشكل واضح و درجة الصعود تقترب من الستين درجة فترى العديد من السياح يجلس على جانب الطريق للراحة عدة دقائق قبل إكماله ،وإنك لتعجب من بعض كبار السن ممن اقتربت أعمارهم من 60 سنة و حفاظهم على صحتهم ولياقتهم حيث قابلت اثنين أو ثلاثة في بعض أجزاء الطريق ..

استمريت بالصعود حتى وصلت إلى المنطقة القريبة من القمة والتي كانت سهلة التضاريس قبل أن أصل أخيراً إلى القمة عند قرابة الساعة 10:30 بعد صعود أكثر من 1600 درجة ، المناظر هناك رائعة جداً والماتشو بيتشو لا ترى معالمها بوضوح نظراً لارتفاعنا الشاهق عنها ، لم أبق هناك سوى دقائق معدودة ثم بدأت برحلة العودة باكراً لاستغلال الوقت وإدراك سيارات الأجرة والتي غالبيتها تغادر قبل الرابعة عصراً ،
ومما يذكر هنا أنني وأنا في طريقي عائداً إلى الأسفل واجهت أمامي فتاة في طريق منحدر وضيق وفيه شيء يسير من الخطورة تحاول النزول بصعوبة بالغة مستندة بيديها على الجبل وتنزل بشكل جانبي خطوة خطوة بحذر مبالغ فيه وقد بدا أنها عطلت الطريق لبعض الوقت فلما وصلت إلى المنطقة الواسعة أخذت ترتاح لبعض الوقت مما مكنني من المرور فقالت معتذرة عن تأخيرها لي أنها تعاني من رهاب المرتفعات ولذلك تأخذ كل ذلك الوقت في النزول فأكبرت ذلك فيها حيث لم يمنعها ما تعانيه من تجربة بعض التحديات الصعبة على أمثالها ..

خلال النزول عدت إلى حقيبتي حيث ظلت في مكانها ولم يُعبث بها حتى وصلت إلى نقطة دخول Machu Picchu Mountain خلال 40 دقيقة تقريباً وسجلت بياناتي تأكيدا لخروجي منها ، واصلت المسير حتى وصولي إلى البوابة الرئيسية قبل النزول إلى أسفل الجبل ،  ثم اتجهت نحو سكة القطار وقطعتها هذه المرة خلال ساعتين اثنتين حيث لم أتوقف فيها أبداً سوى لأداء الصلاة بجوار النهر أسفل الجسر آخر الطريق ..


ثم توجهت نحو مواقف السيارات والتي امتلأت بالعشرات منها قرابة الثانية والنصف لتبدأ رحلة البحث عن حافلة أو سيارة أجرة توصلني إلى كوسكو مباشرة دون التوقف عند تلك المحطات التي كانت في رحلة الذهاب ، وصلت كوسكو عند الساعة الحادية عشر ليلاً حيث بت فيها تلك الليلة قبل المغادرة صباحاً إلى ليما .


أخيراً

لا بد أن أشير إلى أن هذه التدوينة البسيطة قاصرة تماماً عن إعطاء كوسكو أو الماتشو بيتشو ما تستحقانه من معلومات ثرية وأماكن تستوجب الزيارة ، وغالباً ما أنصح بأن تكون البيرو واحدة من الوجهات الأولى لمن لم يزر أمريكا اللاتينية من قبل ولديه بعض التخوفات ، فهي خيار رائع يناسب الأفراد والعائلات لتعدد النشاطات وللأجواء الجميلة والخدمات السياحية المميزة فضلاً عن الطعام البيروفي الشهير بتعدد مذاقاته .